
في الصباح، وبمجرد أن أنهض من سريري، يستقبلني موزع الغرف الفوضوي كما تركته في الليلة الماضية : ألعاب موزعة عشوائياً ، و جورب يبحث عن زوجه، وكومة ملابس ترمي بظلالها على الأرض، وكلها تهمس لي بصوت خافت لحوح: «هيا، نظفي هذه الفوضى، حان وقت التنظيف! ».
لكن سرعان ما يرتفع صوتٌ أعمق صادر من داخلي، و يردّ عليها بهدوء حازم: «هذا هو واقع البيت في ٢٠٢٦.. وقد قررتُ أن أقبله 😴».
وعلى الفور ، يذوب التوتر، ويخفت صوت اللوم و تشرق الشمس وتغرد العصافير مباركةً لقراري😎.
ومنذ أسابيع، هذه هي الحال : أتعلم أن أبتسم للفوضى بدلاً من محاربتها .
نعم صحيح ، أنتي تقرأين (مدونة جوهرة عن التنظيم و التخطيط🥲 ). لكن حتى التنظيم و التخطيط يقبل أن يسلك طرقاً منحنية ملتوية عوضاً عن الاستقامة الصارمة . خصوصا إذا تحوّلت الأم إلى مكنسة تنظيف بشرية لا تفتر عن العمل المنزلي الغير منتهي.
لذا في مقالتي لليوم ، سأكتب لك عن (الكسل الواعي) و (الفوضى الواعية) كخيار متاح لكِ أن تختاريه في سبيل أن تقتلي وحش ( الكمالية ) الذي يقتات على أعصابك .
لكن أولاً : ماهي الكمالية التي أقصدها في حياة ربات البيوت _ سواءً الأمهات أو الزوجات ، الموظفات و غير الموظفات _ ؟
الكمالية هي العبء الخفي الذي يتشكل من توقعات المجتمع، والتربية، وصور المنازل المعروضة على منصات التواصل الاجتماعي. وهذه الكمالية تتحول مع الوقت إلى أخطبوط متعدد الأذرع يلتف حول تفاصيل يومك و يُدخلك في حرب لا تنتهي مع فوضى المنزل و راحتك اليومية .
مثلاً : لاحظت عندما أرتب المنزل غالباً أُلاحق صورة في مخيلتي رأيتها على الانترنت عن ما يفترض أن يكون عليه البيت المرتب أو أتخيل لو دخل أحدهم في بيتي الأن ( ماذا سيقول عن هذه الفوضى ؟ ) .
كذلك قد تظهر الكمالية في صورة :
- شعور خفي بعدم الراحة وعدم القدرة على الاسترخاء في حالة وجود أواني متسخة في حوض الغسيل مثلاُ .
- التنظيف وراء أفراد عائلتك لأنك لا تثقين بجدارتهم أو لا تقبلين درجة النظافة التي يقدمونها ، وهذا في النهاية سيجعلك تتوقفين عن طلب المساعدة منهم .

إن أسوأ مافي الكمالية هي أنها تجعل الأمهات ينسين أن الفوضى هي مجرد أثر بشري طبيعي و ليس وصمة عار يجب محوها .
و الأن يأتي السؤال :
كيف ننجو كربات بيوت من فخ الكمالية ؟
الحل يبدأ بالسماح لنفسك بعيش ( الكسل) و ( الفوضى ) عن قصد و تعمد .
بالنسبة للنساء اللاتي ليس لديهن حساسية للفوضى المنزلية يبدو الموضوع سهل بل مطلوب و مرغوب 👊🤣 . لكن النساء الكماليات سيشعرن بالانزعاج عند تطبيق هذه الحيل ، حيث أن الفوضى تجعل أجسادهن تقشعر و مزاجهن يضطرب ، فإذا كانت إحدى الحيل المذكورة تشعرك بالانزعاج ، فغالباً أنتي المقصودة هنا كامرأه لديها سمة الكمالية في العناية بالمنزل .

لكن اولاً دعونا نتفق على بعض المصطلحات :
ماذا نقصد بالكسل الواعي ؟
هو لا يعني الاستلقاء على الكنبة طوال اليوم مع شعور بالذنب. بل هو قرار واعٍ ومقصود بأن تعطي نفسك راحة حقيقية من العمل المنزلي دون عقاب ذاتي. كأن تقولي لنفسك: “اليوم أختار أنام ساعة إضافية، أو أشاهد مسلسلاً، أو أجلس بدون أي هدف إنتاجي”، وتكونين مقتنعة تماماً أن هذا جزء من نظامك الصحي.أما الفوضى بوعي: هي أن تسمحي للبيت أو المكتب أو جدولك أن يكون غير مثالي. كأن تتركي الألعاب مبعثرة، أو الأوراق غير مرتبة، أو الخطة اليومية تتغير فجأة. هي قبول هادئ بأن الحياة فوضوية أصلاً، والمحاولة المستمرة للسيطرة الكاملة عليها هو محض جهد ضائع لا يستحق .
و لتطبيق هذين المفهومين ، سأذكر لكِ ثمان حيل ، اختاري منها ما يناسبك بهدف إنزال حمولة الإرهاق التي تعيشينها يومياً بسبب فوضى المنزل ، ابدأي بالأسهل عليك ثم توسعي في الباقي :
الحيلة الأولى : تقنية العمى الانتقائي :
اختاري منطقة واحدة في البيت (غرفة الألعاب، سطح المطبخ، الكتب المنتشرة على الطاولة ) وقرري هذا القرار: “لمدة ٣ أيام، أنا عمياء عن الفوضى في هذه المنطقة”.و كلما شعرتِ بالإلحاح “يجب أرتبها الآن”، قولي بصوت مسموع: “أنا أمارس العمى المؤقت حالياً، هذا قرار واعٍ”.
بعد 3 أيام ستكتشفين أن العالم لم ينهار، وأنكِ أصبحت أكثر تحرراً من الإزعاجات النفسية التي تخلقها الفوضى .
ثانياً : التركيز الانتقائي :
وهي مناسبة بشكل مؤقت عندما تريدين أخذ استراحة وسط اعصار اليوم الذي لا ينتهي .
ركزي بصرك على زاويتك المفضلة، على كوب الشاي، أو كتابك. اعتبري بقية الفوضى في الغرفة “خارج نطاق الخدمة” مؤقتاً.
وتذكري : ما لا تركزين عليه، لا يملك سلطة استنزاف طاقتك.
ثالثا: تخدير الإلحاح بـ “تاريخ بعيد” :
إن العقل يلح لأن المهمة تبدو “عاجلة”.والحيلة هي في إعادة جدولتها ذهنياً.
قولي لنفسك: “ترتيب هذه الخزانة ليس مهمة اليوم، بل مهمة الخميس القادم”. عندما تضعين لها تاريخاً بعيداً، يسكت العقل عن الإلحاح، لأنه ضَمِن أنها لم تُنسى،
وأنا شخصيا وصلت لمرحلة أقول فيها لعقلي : هذه فوضى مقبولة في عام 2026 ، ناقشني بعد سنة 🤣
رغم أني لا أترك الفوضى تمتد لعشر أيام حتى ، لكن الهدف هو إصمات الإزعاج حالياً .
وهذا التكنيك يمنحكِ إذناً فورياً بالاستمتاع بالحياة خارج هذا الالحاح .

رابعاً: فلسفة “الحد الأدنى للبقاء”
في أيام الإرهاق، استبدلي معايير “الكمال” بمعايير “النجاة”. إذا كانت الأرضية ليست نظيفة تماماً لكن البيت آمن ومريح، فهذا انتصار. فجزء من مفهوم الفوضى الواعية هي أن تقبلي بـ “الجودة المتوسطة” في الأمور المادية، وتوفير طاقتك لأشياء أهم .
خامساً :قاعدة “جيد بما فيه الكفاية” :
حددي مستوى أقل من المثالي لمعظم الأمور. فمثلاً لو كنتِ دائماً تسعين لـ100% ، جربي أن تجعليها 70% أو 60% . دربي نفسك على التوقف قبل الوصول للكمال
مثلاُ (الليلة أغسل معظم الأواني ، لكن لا بأس أترك كم إناء للغد ) ،( أمسح أسطح المطبخ ، و أترك الارضية ليوم آخر) ، وهكذا . ركزي على الكفاية بدلاً من المثالية .
سادساً :إعطاء صوت الكمالية شخصية سخيفة أو مضحكة:
وهذا مناسب لو كانت كماليتك تستوحش أحيانا متحولة إلى قلق أو وسواس .
تخيلي صوت الكمالية كسيدة عجوز مرسومة بنمط كرتوني ، وهي متوترة ترتدي بدلة رسمية وتصرخ دائماً “يجب أن يكون كل شيء مرتباً!”، اضحكي معها بلطف وقولي: “شكراً يا سيدة التوتر، لكني أختار الراحة اليوم”. ثم اكملي يومك مركزةً على ماهو أهم .
سابعا: الرحمة الذاتية :
ارحمي نفسك اللحوحة ، و احتضنيها قائلة : “هذا يوم صعب، و أنا أستحق الراحة. و لو كانت صديقتي في مكاني، ماذا كنتُ أقول لها؟” ثم قولي ذلك لنفسك.
إن لم تعتادي صوت اللطف مع نفسك ، لاعجب أن تشعري أنك في موضع يستحق النقد عندما تغلبك فوضى المكان وكأن حولك أعين متطفلة تلومك على التقصير.اقطعي دابر اللوم عن نفسك فالأمر لا يستحق فعلا
ثامنا :مهمة واحدة فقط مثالية:
إذا كان لابد من ممارسة الكمالية ، جربي أن تختاري مهمة واحدة فقط في اليوم تكون “مثالية”، ودعي الباقي يعيش في الفوضى أو الكسل. و هذا كافي لإرضاء عقلك الكمالي المُولَع بالمثالية .
الخلاصة:
الكمالية وعد مزيف بالراحة 😦 فقط أنظف هذا ثم ارتاح ! ، فقط بقيت هذه المهمة ثم سأنتهي !)😒
، لكن في الحقيقة لن تنتهي ولن ترتاحي ، بل ستجنين الشعور بالذنب و الإرهاق على طول المسار. أما اختيارك للكسل والفوضى بوعي سيمنحانكِ الحرية والقوة في امتلاك زمام الأمور.
وهذا بالتأكيد ليس تهرباً من المسؤولية، بل أرقى أشكال المسؤولية تجاه نفسك: أن تقبلي هذه الطبيعة للحياة التي_ يحدث أن تكون فوضوية _ و أن تقبلي أنكِ مجرد بشر، و لستِ آلة
و الأن هل جربتِ يوماً أن تعيشي بكسل وفوضى واعية؟ شاركيني في التعليقات: أي حيلة ستجربينها أولاً؟
لو مهتمة بخطط المنزل و التنظيم في حياة الأمهات . شاهدي متجرنا الالكتروني / هناك الكثير من الخطط السعيدة :

شكرا بوصولك للقراءة إلى هنا
موضوعات ذات صلة :
التنظيم في حياة الأم : كتاب امومة مزهرة





اترك رد