(يشبه حرارة رياح السَمُوم )!

هكذا أشعر عندما يحضر الخوف .

لقد أخذ مني الموضوع سنوات حتى أعزل شعور الخوف الذي بداخلي ( كعنصر خام ) غير مختلط بالمشاعر الأخرى ،فالخوف من المشاعر الدقيقة التي تلتصق بكل شيء ، وعندما يحضر يسرق الحواس ويسلب العقل فلا تنتبه لحضوره و تنشغل فقط بما أحضره معه .

في هذه المقالة ، سأروي لك حكاية الخوف لعلك تقتبس منه شيئاً مضيئاً آمناً ينير ظلام مخاوفك .

لا زلت أتذكر انبهاري في اللحظة التي التقطتُ فيها السر لأول مرة، كان ذلك وأنا أستمع للدكتور صلاح الراشد وهو يفكك شفرة الخوف. طرح فكرة في غاية البساطة والعمق: يقول إنك حين تذهب للطبيب النفسي طلباً للعلاج، لن يصف لك (دواءً للخوف من الطيران) أو (عقاراً للرهاب من الظلام)؛ بل سيعطيك وصفة واحدة تشترك فيها مع كل الخائفين على وجه الأرض.

وظيفية هذه الوصفة هي إطفاء (محرك الخوف) ذاته، بغض النظر عن ما تخاف منه. هنا أدركتُ أننا لسنا بحاجة للمواجهة مع ‘الأشياء’ التي تخيفنا، بل نحتاج للتوجه مباشرة نحو ‘شعور الخوف’ المختبئ خلفها. وبمجرد أن نتمكن من تهدئة هذا الشعور، يشتعل الأمان في القلب تلقائياً، لتتبدد معه كل تلك الكيانات المرعبة.. كالطائرة، والمرتفعات، والظلام، فهي لم تكن سوى ظلال ضخمة لعدو واحد يسكن في الداخل.

كل مرة أقع في أزمة خوف ، أدخل في صراع عقلي مع ما أخاف منه ، و أنطلق باحثة عن أدوات و أردد توكيدات تهدئني مما أخاف منه مثل :

  • جوهرة ، هذا سخيف ولا يخيف.
  • جوهرة ، أنتي أقوى منه ، اهدئي.
  • أنتِ آمنه ، اقتربي ببطء.
  • تجاهلي ما تخافين منه وامضي .

و كله يذهب هباء ، لأن الحرب كانت مع العدو الخطأ .

“في ذروة صراعي الأخير مع الخوف، وبعد إلحاح طويل في الدعاء أن يرفع الله عني هذا الضيق، حدث ما لم أتوقعه. لم ينتشل الله ‘الشيء’ الذي أخافه من واقعي، بل منحني (نظارة) أوسع وأعمق؛ وكأن صوتاً في الخلفية يهمس لي

هذه مجرد طاقة خوف في داخلك ، اما الشيء الذي يُخيفك هو مجرد شيء عادي .

لم يكن الأمر إلهاماً غيبياً بقدر ما كان استرداداً لوعيٍ مفقود.

لقد وضع الله مرآة أمامي لتنعكس نحوي . فبدل ما كنت انظر للشيء الذي أخافه ، صرت أنظر للخوف الذي بداخلي ، وهنا تبدّل كل شيء .

رأيت الخوف أخيرا ، كعنصر معزول عن بقية الأشياء التي أخاف منها ، قررت أرسم صورة له ، كرة قطنية زرقاء بريش منتفش وأعين بريئة و فم مفتوح على وشك أن يصرخ ، سميته ( خوفو الصغير ) ،

و كلما اقتربت مما أخاف ، تحسست صدري و جسدي ، إنه مجرد ( خوفو الصغير ) يتحرك في الداخل ، لا شيء مرعب في الخارج .

وبالمناسبة أنا رسمت كل مشاعري منذ تلك الحقبة المخيفة ( رسمت التأنيب ، و العار ، والشك ، و الغضب ، و القلق ، و الحزن ،و الطمع … وغيرها ) ، رسمتها و سميتها بأسماء لطيفة ثم عزلتها واحداً واحداً .ثم بنيت في خيالي غرفة كبيرة ، لاستقبل مشاعري عندما تحضر . لقد كان السيد ( خوفو الصغير) هو الأكثر حضوراً ، لكنه كان مُجبَل دائما على المغادرة ، دائما ما يغادر الخوف في النهاية .

الخوف مثل المادة اللزجة التي تلتصق بأي شيء ، لو تفحصت مخاوف الناس ، ستجد قدر كبير من المجهريات الصغيرة و البديهيات الكبيرة المخيفة بالنسبة لهم . وأعني بالمجهرية مثل ( الخوف من المخلوقات الصغيره كالنمل و الجراثيم ) و البديهية مثل ( الخوف من السماء ، فالسماء شيء بديهي منذ أن خلق الله الكون ، و مع ذلك يحدث أن يخاف منه البعض ) .

وبالمناسبة _ أنا لست بعيدة عن هذا _ ، في الواقع ، كثرة مخاوفي الصغيرة و البديهية جعلتني أنتبه لفكرة أن الخوف مجرد مادة لزجة لاصقة بغيضة ستبحث عن أي شيء في الخارج لتلتصق فيه و تضخمه و تجعله أسود مظلم له فحيح حتى لو كان مجرد نملة بريئة تدب في الأرض .

كما أن الخوف يستمتع بلعبة الاختباء خلف المشاعر ،فقد تظن أنك تشعر بالتأنيب أو الذنب، لكنك لو تعمقت لوجدته الخوف لا أكثر. قد تثور غضباً لأتفه الأسباب، كفوضى بسيطة في أركان المنزل، بينما أنت في العمق تخشى (فقدان السيطرة) . فالخوف طفيلي يتغذى على العار، والحزن، والغرور، وحتى الشهوة؛ و أنت بحاجة ليقظة شعورية عالية لتلتقطه مختبئاً بصمت، و مثيراً للفوضى كطفلٍ عابث تسلل بعيداً عن عين أمه.

كذلك من مواصفات الخوف أن له منشطات و مُهبِطات . فمثلما يعلق بالأشياء ، فهو يعلق بالأزمنة و الأمكنه ، فينشط مثلاً في الطائرة و وقت الليل و يهبط في أخرى مثل وقت نور الصباح ، ومع ضجيج النادي الرياضي .

أتذكر لما كنت أعاني من بعض المخاوف التي تداهمني وقت النوم ، وقد خرجت من منزلي وقتها و رأيت البحر ، و الطيور ، و الشارع و الناس و السيارات ، تعجبت مما يحدث و قلت في نفسي :

العالم آمن تماماً في الخارج ، الوحشة فقط تسكن سريري .

وهذه كل الحكاية ، الخوف طفيلي يتمدد ليشغل الأماكن و الأزمنة و يستحوذ على الأشياء البريئة ليحولها لوحش مرعب مالم تضع له حد .

في خضم رحلتي لمصادقة الخوف ، خرجت بقائمة تحوي 63 خوف يحوّط عالمي ! ، ثم خلصت لـ 10 مخاوف هي الكبيرة و الرئيسية ، و من المثير أن معظم المخاوف الصغيرة الباقية كانت تصب في مصب هذه المخاوف الكبيرة . حالياً كلما واجهني خوف أقول : اممم أنت تتبع الخوف رقم 6 في قائمة المخاوف ، لا شيء جديد ، لا شيء مربك 👊😴

وأنت كذلك ، حتماً لديك 10 بعابع ( جمع بعبع : أي شيء المخيف ) ,هذه البعابع هي التي تدير كل قصة خوفك و تتكاثر في كل(موسم قلق) موّلدة لك مخاوف أخرى صغيرة تجعل عالمك يضيق أكثر فأكثر.

في زمن ما ، عندما وقعت في قصة خوف . أتذكر بأن عقلي وجد مخرج أنه دائماً كان في حياتي شيء معين أخاف منه ، كل مرة هناك ( بعبع ) يلوح في الأفق . فتخيلت لو أن كل مخاوفي تم جمعها في متحف كبير ، هذا المتحف يعرض مخاوفي من بداية طفولتي حتى اليوم . المخاوف في المتحف المرتبطة بطفولتي مضحكة و سخيفة ، بينما المخاوف الجديدة التي دخلت المتحف فهي تثير القشعريرة و الرعب . لكنها ( مجرد تحفة جديدة في المتحف و أنا مبهورة فيها ) و غداً ستصبح مضحكة مثل التي سبقتها .

السموم هي رياح شديدة الحرارة وجافة قد تتجاوز حرارتها 54 درجة مئوية .

عندما عزلت الخوف كشعور ، صرت اشعر بهبوب نسائمه حتى قبل أن يحضر ما أخافه . حيث يتحول الهواء في قلبي إلى شيء يشبه هذا ، حرارة جافة ، كيفما أتحرك يتبعني و تصبح حواسي متأهبة لحضور الشيء المخيف .

الأن لا أقول : جوهرة ، لا تخافي من هذا ، أو لا تخافي من ذاك

بل أقول : مجرد ( خوفو الصغير) اقتحم الغرفة التي في مخيلتي و نشر هواءه الجاف . امهليه قليلاً و سـيغـادر و من المتوقع أن يلتصق بشيء تافه ويجعله مخيف . فلا بأس

من أمتع الطرق التي اكتشفتها لتقليل منسوب الخوف هي الضحك ، بقدر ما تخاف اضحك .

لقد عملت على هذه التجربة لفترة بهدف تقليص خوفي من شيء ما :

حشدت عدد من الفيديوهات المضحكة على الانترنت و احتفظت بها في هاتفي و مخيلتي ، وكلما حضرهذا الخوف المحدد ، مباشرة اتذكر فيديو مضحك و أضحك . وتكرر ذلك عشرات المرات ،( خوف يتبعه ضحك )، و الأن عندما يحضر هذا الخوف تندفع ذكرى المشهد المضحك مباشرة في عقلي . وهذا كفيل بتبدد المخاوف .

والآن، وبينما تنتهي من قراءة هذه الكلمات،

تنفس بعمق..

هل تشعر بهواء السَمُوم الساخن؟ لا بأس، افتح نافذة قلبك، رحّب بخوفو الصغير، وأخبره أن الغرفة تتسع له ولأمانك معاً.وعندما يستشعر خوفك أنك لست خائف ، سيغادر ( وفي أمان الله ).

شكرا بوصولك للقراءة إلى هنا

اقرأ أيضاً :

اترك رد

اكتشاف المزيد من مدونة جوهرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة