عن مختصرات الحياة : ماذا لو تخلّت عادتك عنك ؟ !

نعم ، لقد قرأت العنوان بشكل صحيح .

( عادتك هي التي تخلت عنك )!

وهذا ليس بحدث خيالي ،بل هي مخارج مختصرة تقدمها لك الحياة عندما تكون اجتهدت و لوقت طويل في محاولة التخلي عن شيء ما .

و يبدأ الأمر  عندما تقرر أن تخوض محاولة جادة أخرى ، ( و ليست أخيرة كما يبدو😒) لإغلاق الباب عن عادتك البغيضة أو فك تعلقك من قصة أو تخلي عن شيء ما  . لكنك تترك الباب موارب كالعادة و( ليس مغلق بالكامل )  ، لأنك تتوقع أن عادتك ستطل قريباً بمغرياتها وستعانقها مشتاقاً .

لكن يحدث تحوّل غريب ، تلك الحاجة للعادة لا يأتي ، ولا يزورك ذلك الشعور المعتاد بالحنين . فتمضي أيامك الأولى بسلام . ثم تقف متأهباً في الأيام التالية للسقوط ، أنت تحمل أسلحتك الواهية ( بقايا إصرار ، و الكثير من المنطق الفكري ) لمجابهة عادة تتوقع أن تبرز الحاجة لها في أي لحظة . لكن يا للمفاجأة ، لا تأتي أي رغبة للعادة ( أو للشيء الذي تتخلى عنه )، لا اشتياق ، لا جوع ، لا محفزات ! .

تتنفس الصعداء ، ثم يمضي الأسبوع و الأسبوعين ، و تدخل للأسبوع الثالث ،  تُفاجأ من الالتزام السهل هذه المرة . إن التغيير لم يأتي بجهد منك بل كأن العادة نفسها هي من  تخلت عنك! .

ففي اللحظة التي توقعت أن تقدم لك الحياة اختباراً اضافياً ، تكون قدمت لك هدية .

فما الذي تغيّر هذه المرة ؟

إن ما حدث لك ليس بالشيء النادر تماماً . وهو يحدث للجميع في أوقات متفاوتة من حياتهم.

إنه ( مختصر ) تقدمه لك الحياة أو ممكن تسميته بـ النقلة ، الـ shift ، و التحول السهل .

لكن للأسف الكثير من الناس لا ينتبه لهذا المختصر ، أو يخاف منه و يتساءل  ( ما الذي يحصل لي ؟ ) . . لذلك يعود الناس لقصصهم القديمة لأنهم يخافون التخلي عن أنفسهم بمعنى : من أنا من غير عاداتي القديمة و سلوكياتي ؟ 😕

إذن ماذا تريد أن تنبهك عليه  هذه المقالة ؟

أن تكون يقظ للمختصرات التي تقدمها لك الحياة .

و أن  تستفيد من ذلك المختصر  في تعزيز سلوك أو تخلي عنه. و أن لا تجفل من التحوّل الذي سيطرأ عليك وقتها .

و السؤال المنطقي الأن :

متى تحدث النقلات السهلة في الحياة ؟

حسب وجهة نظري،  هي تنشأ من البدايات.

بداية أي شيء ( أو نهايته ) هو مؤشر لتحول قادم .

و البدايات قد تكون :  زمانية أو مكانية أو حسية .

حسية يعني أنت تشعر أنك تتغير حالياً أو هناك تغيير من حولك ، و مطلوب منك عمل ردة فعل / Action.

كاليوم الأول للعمل بعد الإجازة  ، أو أول يوم بعد الاستقالة ، و أول أيام الزواج ،أو عودة أطفالك للمدرسة بعد إجازة طويلة . ..

و قد يشمل  دخول أشياء أو أشخاص في حياتك .

أما البدايات الزمانية مثل :  بداية اليوم ، بداية الأسبوع و الشهر ،بداية السنة ، بداية الإجازة ، أول رمضان ..

و البدايات المكانية مثل : الأيام الأولى في البيت الجديد ، أو المدينة الجديدة ، أو  الغرفة الجديدة .

ولو اجتمعت بدايات حسية و زمانية و مكانية   في وقت واحد ، سيكون لديك مختصر سريع للتغيير . مثل بداية السنة في مدينة جديدة في بيت جديد مع زواج حديث لم يستغرق سنة ( أظن المرأه أو الرجل في هذا الموقف يستطيعان بنية صادقة أن يخلعا جلدهما القديم حرفياً ، فكل شيء يدعوهما ليتحولا لنسخة جديدة )

إذن حتى تكون على وعي بمختصرات الحياة مهم أن تنتبه للبدايات التي تطرأ على حياتك .   فالعقل يحب أن يستند على  شواهد خارجية تعكس التغيير و الذي  يمكنه على أساسه خلق تغيير من الداخل .مع التذكير أننا ممكن أن نخلق بدايات من أنفسنا دون انتظار ( لكن هذه حكاية لن أتطرق لها هنا) .

و بشكل عام ، عندما تكون على مفرق بداية يمكنك وضع حد نهاية لعاداتك الحالية. و عندما تجد أن طريقك في التخلي سلس لعدة أيام فهذا يعني أنك أمام مختصر ( تخلت العادة عنك ) .

لكن انتبه ستظل تواجه اغراءات للتخلي عن هذا المختصر  .

و الإضاءات الخمس التالية ستجعلك أكثر صمود أمام هذه الإغراءات :

أولاً : تخلى لـ 21 يوم على الأقل :

لقد صمدت لعشرة أيام بسهولة ، هناك تحول ظاهر في نفسك و قيمك ، ( إنها هدية ) ، أو يمكن أن تسميه  (توقيت روحي)  ، فاحترم هذا التوقيت و اصمد أكثر لـ 11 يوم إضافية ، وصلهاّ لـ 21 يوم فقط . وهو رقم تبرمجنا عليه نفسياً أنه يمثل التغيير . 21 يوم كافية لتقول أنك تفوقت على عادتك البغيضة . و يمكنك أن تتفاوض مع الإغراءات بأن  تقول سأصمد فقط حتى الخميس القادم ، أو فقط حتى نهاية الإجازة🤝 . فالعقل يخاف من فكرة التخلي الدائم ، فلا بأس أن تطمئنه بتوقيت واضح.

و قد لاحظت شخصياً أنك حتى لو رجعت لعادتك بعد التخلي عنها لـ 21 يوم أو أكثر ، ستجد أنك تملك ثقة شعورية عالية للتخلي مرة أخرى بدون مقاومة فكرية أو شعورية كالسابق .

ثانياً : مرر صمودك على القيعان و القمم :

وذلك لأننا نميل لتكرار الأنماط المألوفة ( حتى لو كانت سيئة )عندما نكون في حالة غير مألوفة سواء قاع ( مرض ، حزن ، قلق ، ) أو قمة ( حصلنا على أموال ، كنا وسط حفلة ، حصلنا على ترقية ) . فلو أخذنا مثلاً ادمان السكريات كعادة سيئة نود التخلي عنها و صمدنا لعشرة أيام ، من المتوقع أن يحدث سقوط عندما نكون مسافرين ( تغير علينا المكان ) أو قلقين ( نحتاج تهدئة فنمارس سلوك قديم ) أو فرحين جدا ( و كأن العادة القديمة مكافأة نقدمها لأنفسنا) .

و حتى تقول أنك تفوقت على عادتك ، تحتاج أن تختبر صمودك في ظروف مختلفة من قيعان و قمم . تذكر أنك تسلك الأن طريق سهل ( العادة تخلت عنك بسهولة لأيام ) ، وهذه الظروف مجرد اغراءات . لذلك تماسك قليلاً و اكتشف بفضول كيف ستكون حياتك بلا هذه العادة .

ثالثاً : انتبه للحنين المخادع :

عندما تشعر بالحنين لممارسة عادتك ، انتبه إلى أن الموضوع يحمل شيء من الخدعة.

فأنت لم تشتاق للعادة فعلياً أوللشيء الذي أنت متعلق به ، لأنه بغيض و مؤذي و الدليل أنك حاولت التخلي عنه مراراً . أنت في الواقع مشتاق لنفسك . مشتاق للروتين الذي يحيط بهذه العادة .

فمثلاً أنا شخصيا عندما قررت التخلي عن تعلقي بمنصة سوشال ميديا لمدة شهر و كان الطريق مختصر و سالك في الأسبوعين الأوليين . في الأسبوع الثالث شعرت بالضياع قليلاً ، لأن هناك فراغ و ارتباك في الروتين. فأنا كنت أخصص وقت قهوتي في المغرب لتصفح هذه المنصة ، و في أي وقت فراغ بين الأعمال كنت أتصفحها أيضاً . و كأنني آخذ جرعتي اليومية من  الدوبامين الكاذب من خلال هذه المنصة عن طريق الإثارة السريعة في التنقل بين الموضوعات و قراءة الأخبار . كانت هذه العادة مجرد تصرف تلقائي في حياتي . الأن هناك شعور مزيف بالحنين إلى نفسي القديمة ، بمعنى من أنا من دون كل ذلك ؟ و ماذا أفعل في أثناء الفراغ و وقت القهوة ؟ ماذا عن وقت الانتظار أو في طريق السفر ؟ .

لذلك كنت أحتاج أن أبني روح الفضول و الاستكشاف في نفسي . أن أصمد لأرى ما الذي سيتكشف بديلاً عن هذه العادة ؟ حتما هناك باب خلفي مثير في نهاية الممر و يستحق الصمود من أجله .

رابعاً : لا تتعرض لعادتك ولو قليلاً :

و أقصد بالتعرض أي أنك تحوم حول عادتك القديمة من بعيد ، دون أن تسقط فيها . كأن تتواجد في المكان ، تراقب الأشخاص ، تسمع الأغاني المرتبطة ، تنظر للصور …

تذكر أنك لازلت ضعيف ، ووحش عادتك لازال مهيمن على الوصلات العصبية لعقلك . فتواضع و اعترف أنك الخاسر هنا ،و أن كل الطرق تؤدي للعودة . و مهما كان عقلك متسلح بالمنطق ، فشعورك جبان و يتصرف كطفل صغير مندفع . و مشكلة الطفل أنه سريعاً ما ينسى الألم ، و لا يملك بعد نظر للعواقب .

تحتاج هنا أن تراجع شعورك المؤلم الذي دفعك للتخلي . بدلاً من تذكر المتع الصغيرة اللحظية التي تجلبها هذه العادة.

خامساً : لا تخاف من السقوط ، بل من الاستسلام :

بعض العادات في حياتنا _ بصراحة _ تبدو ليس لها نهاية . إنها متشابكة فينا لدرجة أنها صارت جزء من قصتنا ، نتعافى ثم نسقط ، ثم نعود للتعافي لوقت أطول ثم نسقط . وهناك أشخاص قتلتهم عاداتهم ليس بسبب السقوط بل الاستسلام و إعلانهم ﻷنفسهم  أنهم حالة ميؤوس منها . و أرجو أن لا تصل يوما إلى هذا . بل لا تتوقف عن التصحيح و العودة للطريق في كل مرة . في الواقع ، أحيانا يكون السقوط إلزامي لتصحيح المسار بشكل أطول أو لأكتشاف طرق أفضل لتطوير أنفسنا و الانتقال من مرحلة لأخرى .إنها قصتك الشخصية فلا تكرهها بل طوّر فصولها .

إن كل عودة من بعد سقوط ستجلب معها هدية ، و أحيانا تكون هديتك هي ( تخلي عادتك عنك بسهولة) بدل من أن تتخلى أنت عنها بصعوبة .

هذا كل شيء . أرجو أن تكون هذه المقالة أضاءت لك موضوع العادات من زاوية أخرى.

شكرا لقرائتك

مواضيع ذات صلة :

أوه مرحبا 👋
من الجيد مقابلتك.

قم بالتسجيل لتلقي محتوى رائع في صندوق الوارد الخاص بك، كل شهر.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

ردان على “عن مختصرات الحياة : ماذا لو تخلّت عادتك عنك ؟ !”

  1. الصورة الرمزية لـ بائعة الكرز ♫ ~
    بائعة الكرز ♫ ~

    ماشاء الله
    لديك معرفة هائلة و فهم عميق يزداد وضوحاً مع كل سطر اقرأه
    بصراحة لم اقابل قط شخص يتحدث عن العادات بهذا الوضوح و بهذا المنظور
    عدت للمقال مرتين لأتمعن فيه @-@
    و أود أن أقول عن بعض تجربتي الشخصية ، أن الامتناع عن عادة في البداية في حال رغب العقل و القلب فيها مجدداً الأفضل أن نضع البديل “الأخف” و الخادع ، أحياناً تحوم مشاعرنا باتجاه العادة القديمة و لكن ما يطلبه العقل و القلب غالباً هو ” شعور” و ليس السلوك بحد ذاته.
    وضع البديل للحالات الطارئة ممكن و ضرورة أحياناً ، و فهم جذر الشعور و تغذيته و تعويضه في أنفسنا ضرورة لا مفر منها في كل الحالات.
    و البحث عن القيمة المفقودة خلف هذا السلوك ، بالتساؤل في أنفسنا ، ما الذي نحاول تعويضه؟ و هل هذه هي الوسيلة الوحيدة أم أن هناك وسائل أخرى؟ أحياناً يكون الارتباط عاطفياً لأننا لم نجد بديل صحي لتعويض القيمة المفقودة في داخلنا ، فنلجأ أحياناً للعادات السيئة مثل تناول السكر الذي نعتقد أنه مكافئة بعد يوم عصيب ، رغم أنه ليس كذلك.

    1. الصورة الرمزية لـ Joharh World
      Joharh World

      ردك أثرى المقالة 💕 وكل ما قلتيه اتفق معاه ، يختفي خلف عاداتنا الكثير من المعتقدات و الحاجات و الجذور العميقة التي أسست لها . و كي تقطع العادة ابدأ من الجذر . شكرا لمرورك الثري

اترك رد

https://joharhworldshop.com

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة